فخر الدين الرازي

44

تفسير الرازي

أن يخلق مثلهم ) * وقوله : * ( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ) * ( غافر : 57 ) والمعنى أخلقكم بعد الموت أشد أم خلق السماء أي عندكم ، وفي تقديركم ، فإن كلا الأمرين بالنسبة إلى قدرة الله واحد والثاني : أن المقصود من هذا الاستدلال بيان كونهم مخلوقين ، وهذا القول ضعيف لوجهين أحدهما : أن من أنكر كون الإنسان مخلوقاً فبأن ينكر ( ه ) في السماء كان أولى وثانيهما : أن أول السورة كان في بيان مسألة الحشر والنشر ، فحمل هذا الكلام عليه أولى . المسألة الثانية : قال الكسائي والفراء والزجاج : هذا الكلام تم عند قوله : * ( أم السماء ) * . ثم قوله تعالى : * ( بناها ) * ابتداء كلام آخر ، وعند أبي حاتم الوقف على قوله : * ( بناها ) * قال : لأنه من صلة السماء ، والتقدير : أم السماء التي بناها ، فحذف التي ، ومثل هذا الحذف جائز ، قال القفال : يقال : الرجل جاءك عاقل ، أي الرجل الذي جاءك عاقل إذا ثبت أن هذا جائز في اللغة فنقول : الدليل على أن قوله : * ( بناها ) * صلة لما قبله أنه لو لم يكن صلة لكان صفة ، فقوله : * ( بناها ) * صفة ، ثم قوله : * ( رفع سمكها ) * ( النازعات : 28 ) صفة ، فقد توالت صفتان لا تعلق لإحداهما بالأخرى ، فكان يجب إدخال العاطف فيما بينهما ، كما في قوله : * ( وأغطش ليلها ) * ( النازعات : 29 ) فلما لم يكن كذلك علمنا أن قوله : * ( بناها ) * صلة للسماء ، ثم قال : * ( رفع سمكها ) * ابتداء بذكر صفته ، وللفراء أن يحتج على قوله بأنه لو كان قوله : * ( بناها ) * صلة للسماء لكان التقدير : أم السماء ( التي ) بناها ، وهذا يقتضي وجود سماء ما بناها الله ، وذلك باطل . المسألة الثالثة : الذي يدل على أنه تعالى هو الذي بنى السماء وجوه أحدها : أن السماء جسم ، وكل جسم محدث ، لأن الجسم لو كان أزلياً لكان في الأزل إما أن يكون متحركاً أو ساكناً ، والقسمان باطلان ، فالقول بكون الجسم أزلياً باطل . أما الحصر فلأنه إما أن يكون مستقراً حيث هو فيكون ساكناً ، أو لا يكون مستقراً حيث هو فيكون متحركاً ، وإنما قلنا : إنه يستحيل أن يكون متحركاً ، لأن ماهية الحركة تقتضي المسبوقية بالغير ، وماهية الأزل تنافي المسبوقية بالغير والجمع بينهما محال ، وإنما قلنا : إنه يستحيل أن يكون ساكناً ، لأن السكون وصف ثبوتي وهو ممكن الزوال ، وكل ممكن الزوال مفتقر إلى الفاعل المختار ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، فكل سكون محدث فيمتنع أن يكون أزلياً ، وإنما قلنا : إن السكون وصف ثبوتي ، لأنه يتبدل كون الجسم متحركاً بكونه ساكناً مع بقاء ذاته ، فأحدهما لابد وأن يكون أمراً ثبوتياً ، فإن كان الثبوتي هو السكون فقد حصل المقصود ، وأن كان الثبوتي هو الحركة وجب أيضاً أن يكون السكون ثبوتياً ، لأن الحركة عبارة عن الحصول في المكان بعد أن كان في غيره ، والسكون عبارة عن الحصول في المكان بعد أن كان فيه بعينه ، فالتفاوت بين الحركة والسكون ليس في